Take a fresh look at your lifestyle.

- Advertisement -

- Advertisement -

الفتح الاسلامى لمصر وبداية الحقبة الاسلامية

- Advertisement -

0 189

الفتح الاسلامى لمصر وبداية الحقبة الاسلامية

- Advertisement -

الفَتْحُ الإسْلَامِيُّ لِمِصْر أو الغَزْوُ الإسْلَامِيُّ لِمِصْر، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِمِصْر، هو سِلسلةٌ من الحملات والمعارك العسكريَّة التي خاضها المُسلمون تحت راية دولة الخِلافة الراشدة ضدَّ الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، وانتُزعت على إثرها ولاية مصر الروميَّة من يد الروم ودخلت في دولة الإسلام، بعد عِقدٍ من عودتها لِلإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، إذ كان الفُرس الساسانيّون قد انتزعوها من الأخيرة لِفترةٍ وجيزة.

شكَّل فتحُ مصر امتدادًا لِفتح الشَّام، وقد وقع بعد تخليص فلسطين من يد الروم، وقد اقترحهُ الصحابيّ عمرو بن العاص على الخليفة عُمر بن الخطَّاب بِهدف تأمين الفُتوحات وحماية ظهر المُسلمين من هجمات الروم الذين انسحبوا من الشَّام إلى مصر وتمركزوا فيها. ولكنَّ عُمرًا كان يخشى على الجُيوش الإسلاميَّة من الدخول لِأفريقيا ووصفها بأنَّها مُفرِّقة، فرفض في البداية، لكنَّهُ ما لبث أن وافق، وأرسل لِعمرو بن العاص الإمدادات، فتوجَّه الأخير بجيشه صوب مصر عبر الطريق الذي سلكه قبله قمبيز والإسكندر، مُجتازًا سيناء مارًا بِالعريش والفرما. ثُمَّ توجَّه إلى بلبيس فحصن بابليون الذي كان أقوى حُصون مصر الروميَّة، وما أن سقط حتَّى تهاوت باقي الحُصون في الدلتا والصعيد أمام الجُيوش الإسلاميَّة. وقد تمَّ لعمرو بن العاص الاستيلاء على مصر بسقوط الإسكندريَّة في يده سنة 21هـ المُوافقة لِسنة 642م. وعقد مع الروم مُعاهدة انسحبوا على إثرها من البلاد وانتهى العهد البيزنطي في مصر، وإلى حدٍ أبعد العهد الروماني، وبدأ العهد الإسلامي بِعصر الوُلاة؛ وكان عمرو بن العاص أوَّل الولاة المُسلمين.

تختلف الروايات الإسلاميَّة والقبطيَّة في سرد حوادث الفتح، لكنَّها تجمع على أنَّ الروم استعبدوا المصريين أثناء حُكمهم وجعلوا مصر ضيعة للإمبراطور البيزنطي ومن قبله الروماني، وعُرفت بمخزن غلال روما. وكان اختلاف عقيدة المصريين عن عقيدة الروم سببًا في اضطهادهم من قِبَل الإمبراطوريَّة، فقد اتخذ البيزنطيّون المذهب الخلقدوني الذي ينص على اتحاد الطبيعتين، الإلهيَّة والبشريَّة، في شخص المسيح، اتحادًا غير قابل للانفصام، مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة دون غيره، بينما كان المصريّون يأخذون بالمذهب اللاخلقدوني المونوفيزيتي (اليعقوبي)، وقد حاول الروم فرض مذهبهم على جميع الرعايا، فنفر منهم المسيحيّين اليعاقبة، وفضَّلوا الهيمنة الإسلاميَّة كونها تضمن لهم حُريَّة المُعتقد. إعتنقت الغالبيَّة العُظمى من المصريين الإسلام بعد تمام الفتح، وبقي قسمٌ منهم على المسيحيَّة، واستمرَّ هؤلاء يُعرفون بالقِبط أو الأقباط، ومع مُرور الزمن استعرب المصريّون وأصبحت اللُغة العربيَّة لُغتهم الأُم، واقتصرت اللُغة القبطيَّة على الطُقوس والتراتيل الكنسيَّة. وقد قُدِّر لِمصر أن تحتلَّ مركزًا بارزًا ورائدًا في ظل العُهود الإسلاميَّة اللاحقة، فأصبحت مركزًا أساسيًّا من مراكز الإسلام في العالم، كما تزعَّمت حركة القوميَّة العربيَّة في أواسط القرن العشرين الميلاديّ.

الفتحُ الإسلاميُّ لِمِصر
جزء من الفُتوحاتُ الإسلاميَّة والحُروبُ الإسلاميَّة البيزنطيَّة
Mohammad adil-Muslim conquest of Egypt-ar.png
خارطة تُظهرُ زحف المُسلمين نحو مصر آتين من الشَّام والحجاز
معلومات عامة
التاريخ 19هـ \ 640م – 21هـ \ 642م
الموقع مصر
النتيجة نصرٌ إسلاميٌ ساحق

  • فقدان الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة مصر ودُخول الأخيرة في دولة الإسلام
المتحاربون
Labarum of Constantine the Great.svg الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة BlackFlag.svg دولة الخِلافةُ الرَّاشدة
القادة
Labarum of Constantine the Great.svgهرقل
Labarum of Constantine the Great.svg المُقوقس
Labarum of Constantine the Great.svg ثُيودور
Labarum of Constantine the Great.svg الأرطبون
Labarum of Constantine the Great.svg قُسطنطين الثالث
BlackFlag.svgعُمر بن الخطَّاب
BlackFlag.svg عمرو بن العاص
BlackFlag.svg الزُبير بن العوَّام
BlackFlag.svg المقداد بن الأسود
BlackFlag.svg عبادة بن الصَّامت
BlackFlag.svg خَارِجَة بن حِصْن

نُبوءة فتح مصر في المُعتقد الإسلامي
يُؤمن المُسلمون بأنَّ الرسول مُحمَّد تنبأ وبشَّر بِفتح مصر قبل حُصول هذا الأمر بِسنواتٍ عديدةٍ، ووردت في ذلك عدَّة أحاديث، ومن ذلك حديثٌ رواه الإمام مُسلم بن الحجَّاج في صحيحه عن جابر بن سمُرة عن نافع بن عُتبة عن الرسول أنَّهُ قال: «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ»، ومن المعروف أنَّ مصر كانت جُزءًا من بلاد الروم. وكذلك فقد أخبر الرسول بفتح مصر تحديدًا، ودعا إلى الإحسان إلى أهلها إكرامًا لهاجر أُم النبي إسماعيل وزوجة النبيّ إبراهيم، فقد كانت من أرض مصر، كما أخبر بدخول أهلها في الإسلام واشتراكهم مع إخوانهم في التمكين له. فقد ورد عن عن أبي ذرٍّ الغفَّاريّ أنَّهُ قال: «قَالَ رَسُولُ اللهِ Mohamed peace be upon him.svg: إِنَّكُم سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يَسمَّى فِيْهَا القِيْرَاط، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا، فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةٌ وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيْهَا فِي مَوْضِعَ لَبْنَة، فاخرُج مِنْهَا». قال: «فَرَأَيْتُ عَبْدُ الرَّحمٰنِ بنُ شُرحَبِيل بنُ حَسَنَة وَأَخَاهُ رَبِيْعَة، يَخْتَصِمَانِ فِي مَوضِعَ لَبَنَة، فَخَرَجْتُ مِنْهَا». وفي روايةِ لابن حبَّان أنَّ الرسول قال عن أهل مصر: «فَاسْتَوْصُوا بِهِم خَيْرًا، فَإنَّهُم قُوَّةٌ لَكُم، وَبَلَاغٌ إِلَى عَدُوِّكُم بِإِذْنِ الله». وفي روايةٍ أُخرى عن عبد الملك بن مسلمة عن الليث وابن لهيعة بأنَّ الرسول مُحمَّد قال عندما حضرته الوفاة: «الله الله فِي قِبْطِ مِصْرَ فَإِنَّكُمُ سَتَظْهَرُوْنَ عَلَيْهِم وَيَكُونُونَ لَكُمُ عِدَّة وَأَعْوَانًا فِي سَبِيْلِ اللهِ»

العلاقات العربيَّة المصريَّة قبل الفُتوح

خريطة توضح مسار قناة سيزوستريس بين نهر النيلوالبحر الأحمر، وهي إحدى القنوات التي استعملها المصريّون القُدماء للاتجار مع العرب في الحجاز واليمن.

عرف العرب مصر مُنذُ حقبٍ بعيدة، وذلك بِفضل ما كان بينها وبين شبه الجزيرة العربيَّة من صَلاتٍ أبرزُها الصلة التجاريَّة. ذلك أنَّ مصر كانت مُنذ العصر الفرعوني دولةً بحريَّة تجوبُ سُفُنها التجاريَّة البحرين المُتوسِّطوالأحمر، وهيمنت على التجارة الشرقيَّة، والمعروف أنَّ الفراعنة شقَّوا طُرُقًا ملاحيَّةً تصلُ البحر الأحمر بِفُروع النيل لِتسهيل الحركة التجاريَّة، ومنها تاجروا مع الحجازواليمن. ولم تكن الطُرق البحريَّة الأداة الوحيدة التي تصل مصر بشبه الجزيرة العربيَّة، بل كان مضيق السُويس أداة اتصالٍ بينهُما. فقد كان في شبه جزيرة سيناء طريقٌ عبَّدهُ المصريّون القُدماء، يُؤدّي إلى مناجم النُّحاس فيها، وكان هذا الطريق يتَّصل بِشمالي الحجاز ويتقاطع عند تيماء مع الطريق الذاهب إلى العراق، ويتَّصل بِطريق القوافل المُنحدر إلى مكَّة واليمن، إنَّهُ الطريق التُهامي المُوازي تقريبًا لِساحل البحر الأحمر من عدن إلى أيلة – العقبة – ومنها إلى مصر.

كان المصريّون يحملون البضائع التجاريَّة إلى بلاد العرب ويُقيمون فيها ريثما يعودون بِتجارة الشرق، وكذلك فعل العرب، فكانوا يحملون تجارة الشرق إلى مصر ويُقيمون فيها ريثما يعودون إلى بلادهم. ومن أبرز القصص والأدلَّة على ذلك ما ورد في سفر التكوين عن قصَّة النبيّ يُوسُف وقافلة الإسماعيليين (العرب) التي كانت جمالُهم تحملُ كثيراء وبلسانًا ولاذنًا، فقد جاء في الإصحاح السابع والثلاثين: «ثُمَّ جَلَسُوا لِيَأْكُلُوا طَعَامًا. فَرَفَعُوا عُيُونَهُمْ وَنَظَرُوا وَإِذَا قَافِلَةُ إِسْمَاعِيلِيِّينَ مُقْبِلَةٌ مِنْ جِلْعَادَ، وَجِمَالُهُمْ حَامِلَةٌ كَثِيرَاءَ وَبَلَسَانًا وَلاَذَنًا، ذَاهِبِينَ لِيَنْزِلُوا بِهَا إِلَى مِصْرَ». ولقد أدَّت هذه الحركة التجاريَّة إلى استقرار جالية مصريَّة في بلاد العرب، وإقامة جالية عربيَّة في مصر. ويُشير بعض الباحثين والمُؤرخين إلى هذه العلاقة التاريخيَّة الوثيقة بين مصر والعرب، وعلى رأسهم المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت الذي أكد لدى رحلته لِمصر قبل الميلاد تواجد العرب من أبناء شبه الجزيرة العربيَّة في مصر سواء من جهة الشمال في سيناء والمناطق المُجاورة أو من جهة الجنوب في ولايات الصعيد والبحر الأحمر. وبحسب الجُغرافي جمال حمدان فإنَّهُ وقبل ظُهور الإسلام كانت حركة التاريخ الإقليمي والتجارة والعلاقات والهجرات بلا انقطاع بين غرب شبه الجزيرة العربيَّة ووادي النيل خاصة بين مصر والجزيرة في الشمال. وعلى نطاقٍ محليٍّ أصغر انتقلت جالية من صعيد مصر إلى مدينة في الحجاز قبل الإسلام حتى استقرَّت وتوطَّنت، ويُقال أنَّ أصل أبنائها هم الذين استقبلوا النبي بالترحيب عندما هاجر من مكَّة إلى يثرب.

رسم تخيُّلي لِمُعجزة عُبور بني إسرائيل البحر الأحمر بقيادة النبيّ موسى بعد أن أخرجهم من مصر. وهي إحدى الأحداث التاريخيَّة التي وردت في القُرآن وعرَّفت العرب على قسمٍ من تاريخ مصر.

استمرَّت الصلة التجاريَّة بين مصر وشبه الجزيرة العربيَّة قائمة بعد قضاء الرومان على حُكم البطالمة في مصر، تقوى حينًا وتضعف أحيانًا. ثُمَّ حدث أن ورثت بيزنطة المناطق الشرقيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة في القرن الخامس الميلاديّ على إثر انقسام هذه الأخيرة إلى قسمين شرقي وغربي، في الوقت الذي استأنف فيه العرب رحلاتهم التجاريَّة، وبِخاصَّة رحلة الصيف إلى الشَّام حيثُ كانت بعض القوافل تنحدر عند أيلة إلى مصر. ويدلُّ ذلك على أنَّ جُزءًا مُهمَّا من البضائع الشرقيَّة كان مُعدًّا للتصدير بحرًا إلى موانئ البحر المُتوسِّط عبر ميناء الإسكندريَّة. كوَّن العرب، بِحُكم هذا الواقع التجاري، صورةً عن أوضاع مصر، زادها القُرآن وُضوحًا حين تحدَّث عن غنى هذا البلد الزراعي. فقد ورد في القُرآن تعقيبٌ على ما حدث من غرق فرعون وقومه: Ra bracket.pngكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ Aya-25.png وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ Aya-26.png وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ Aya-27.pngLa bracket.png. وجاء أيضًا: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾، وورد على لِسان بني إسرائيل بعد أن أخرجهم النبيّ موسى من مصر: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ…﴾.

رسالة الرسول إلى المُقوقس.

وقد أثبت بعضُ الباحثين اشتراك أكثر من عشرة آلاف كلمة بين اللُّغة المصريَّة القديمة واللغة العربيَّة، مما يدل على أنَّ عرب شبه الجزيرة لم يكفوا عن الخُروج منها والتدفق على مصر قبل وطوال التاريخ المكتوب. وكانت صحراء سيناء وأطراف الدلتا بالنسبة لهم منطقة انتقال وتأقلم إلى أن يتم اندماجهم وتشرُّبهم. ويؤكِّد جمال حمدان أنَّ ذلك يعني بوضوح إنَّ تعريب مصر سبق في بدايته الفتح الإسلامي، وأنَّه قديمٌ في مصر قدمًا أزليًّا وإن كان الفتح نفسه هو الخطوة الحاسمة. وفي عصر الرسالة، ومن خِلال عالميَّة الدعوة الإسلاميَّة، أرسل الرسول مُحمَّد العديد من المبعوثين إلى مُلوك وأُمراء الشرق الأدنى، ومنهم نجاشي الحبشة أصحمة بن أبجر، وكسرى الثاني شاه فارس، وهرقل قيصر الروم، والمُقوقس قيرس السَّكندري عامل الروم على مصر، يدعُوهم إلى الإسلام. وكان حامل الرسالة إلى المُقوقس هو حاطب بن أبي بلتعة، وقد ورد فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، مِن مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أمَّا بَعْد: فَإنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِم تَسْلَم، وَأَسْلِم يُؤتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِن تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾». والمُلفت أنَّ ردَّ المُقوقس كان لطيفًا، بل أكثر الأجوبة مُجاملةً، فكتب يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، لِمُحَمَّد بِن عَبْدُ اللهِ، مِنَ المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْك، أمَّا بَعْد: فَقَد قَرَأتُ كَتَابَك، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيْهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَد عَلِمْتُ أنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَد أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ لَكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي القِبْطِ عَظِيْمٌ، وِبِكِسْوَةٍ وَهَدَيْتُ إَلَيْكَ بَغْلَةً لِتِرْكَبَهَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْك». وقد اصطفى النبيُّ لِنفسه إحدى الجاريتين، وهي ماريَّة القبطيَّة، فتزوَّجها وولدت لهُ إبراهيم، وكان يقول: «استَوْصَوا بِالقِبْطِ خَيْرًا فَإِنَّ لَكُم مِنْهُم صِهْرًا

أوضاع مصر عشيَّة الفُتوح الإسلاميَّة

مصر وسائر أرجاء الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة (بالبُرتُقالي الدَّاكن) خلال الفترة المُمتدَّة بين سنتيّ 527 و565م.

كانت الأوضاع السياسيَّة في مصر عشيَّة الفتح الإسلامي مُضطربة نتيجة قُرونٍ من الاستغلال الروماني والبيزنطي. فقد اتَّصف الحُكمُ الرومانيُّ لِمصر بالتعسُّف، وبرع الرومان في ابتكار الوسائل التي تُتيح لهم استغلال موارد البلاد. ففرضوا على المصريين نُظُمًا ضريبيَّةً مُتعسِّفة شملت الأشخاص والأشياء والصناعات والماشية والأراضي، فضاق المصريُّون ذرعًا بها وقاموا بِعدَّة ثورات ضدَّ الحُكم الروماني لعلَّ أشهرها تلك التي قامت في عهد الإمبراطور ماركوس أورليوس (161 – 180م)، وتُعرف بِحرب الزراع أو «الحرب البوكوليَّة» (نسبةً إلى المنطقة المعروفة باسم «بوكوليا» الواقعة في شمالي الدلتا)، ولكنَّ الرومان كانوا يقضون على هذه الثورات في كُل مرَّة. وبعد انقسام الإمبراطوريَّة الرومانيَّة إلى قسمين شرقي وغربي، تبعت مصر الإمبراطوريَّة الشرقيَّة أو «البيزنطيَّة». كان الحُكمُ البيزنطيُّ لِمصر، مُباشرًا ومُستبدًا، يُدارُ بواسطة حاكمٍ يُعيِّنهُ الإمبراطور، لكنَّ الحُضور السياسي كان ضعيفًا، ممَّا أدّى إلى انعدام التوازن في العلاقة بين الحُكم المركزي والشعب المصري. وكان المظهر الوحيد للسِّيادة المركزيَّة والإدارة التي تؤمِّن مصالح الدولة الحاكمة، هُو وُجود مراكز عسكريَّة في المُدن الكُبرى، وبعض الحاميات المُنتشرة في الداخل. وكانت مصر، بوصفها مُرتبطة مُباشرةً بالحُكم المركزي، تتأثر بما كان يحدث في البلاط البيزنطي من صراعاتٍ ومُؤامراتٍ من أجل السُلطة. فتعرَّض المصريّون لِأشد أنواع المُضايقات في عهد الإمبراطور فوقاس (602 – 610م)، فما اشتهر به عهده من المُؤتمرات والاغتيالات، إنَّما حدَّد الإطار الخارجيّ الذي جرى في نطاقه من العوامل ما أدَّى إلى انتشار الفوضى والتفكَّك البطيء في الحُكومة والمُجتمع. وقد تأثَّرت مصر بِذلك، فامتلأت أرض الصعيد بِعصابات اللُصوص وقُطَّاع الطُرق، وغزاها البدو وأهل النوبة. واضطربت أوضاع مصر السُفلى أيضًا وأضحت ميدانًا للشغب والفتن والثورات بين الطوائف، التي كانت توشك في بعض الأحيان أن تتحوَّل إلى حُروبٍ أهليَّة. وانصرف الحُكَّام إلى جمع المال لِخزينة الإمبراطوريَّة بِغض النظر عن مشروعيَّة الوسائل أو عدم مشروعيَّتها، فاضطرمت مصر بِنار الثورة. وتعرَّضت الإمبراطوريَّة في هذه الأثناء إلى كارثةٍ خطيرة، إذ هُزمت عسكريًّا في البلقان وآسيا الصُغرى والشَّام، واجتاحتها الجُيوش الفارسيَّة الساسانيَّة. ثُمَّ شرع الفُرس بِغزو مصر، فسقطت الإسكندريَّة في أيديهم في سنة 619م، ولم تلبث مصر كُلَّها أن أضحت تحت حُكمهم. شعر المصريّون بِحُريَّة لم يعهدوها من قبل في ظل حُكم فوقاس، ذلك أنَّ الفُرس تركوا لهم أمر الحُكم على نحوٍ من اللامركزيَّة المألوفة في بلادهم، وأسقطوا عنهم كثيرًا من الأعباء التي كانت تُرهقهم وإن ظلّوا مُتعالين عليهم بوصفهم الطبقة الحاكمة. وهكذا استهلَّ القرن السابع الميلاديّ والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة تسيرُ في طريق الانحدار، ولم يُنقذ الموقف إلَّا ثورة حاكم أرخونيَّة إفريقية هرقل الأكبر، على حُكم فوقاس، وانحازت إليه مصر، ونجح هرقل في خلع فوقاس وتولّى ابنه هرقل الأصغر الحُكم. وبًفضل ما اتخذه من تدابير إصلاحيَّة، عسكريَّة وإداريَّة، نهض لِقتال الفُرس، واستردَّ ما فقدته الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة على أيديهم، فاستعاد الشَّام ومصر. وكان المصريّون يأملون أن يجدوا في الحُكم الجديد سيرًا أرفق بهم ممَّا كانوا يُعانونه من عسف فوقاس، وبأن يُكافأهم هرقل على مُساندتهم له، وألَّا يُرهقهم حُكمه. والواقع أنَّهُم لم يشعرُوا بِخيبة أملٍ بالغة في بادئ الأمر، إذ ليس ثمَّة ما يدعو إلى الشك بأنَّ هرقل كان حريصًا على أن يستقطب المصريين، وكان واليه على مصر نيقتاس يرى لزامًا عليه أن يُجزيهم على ما قدَّموه من خِدمة للإمبراطوريَّة. لكن سُرعان ما خاب أملهم، فقد عاد الحُكم البيزنطي إلى سيرته الأولى من التعسُّف، ممَّا أدّى إلى التباعد بين الشعب وحُكَّامه، كانت تُغذيه باستمرار المُحاباة القمعيَّة التي ارتبطت بِآخر الحُكَّام البيزنطيين، ألا وهو المُقوقس، الذي سعى إلى تنفيذ برنامج هرقل الهادف إلى تدعيم مركزيَّة النظام بِضرب المذاهب المُتعارضة مع المذهب الرسمي للدولة

شاه فارس كسرى الثاني يخضعُ لإمبراطور الروم، القيصر هرقل، مقطع من صحيفة معدنيَّة منقوشة على صليبٍ إفرنجيّ من القرن الثاني عشر الميلاديّ.

الوضع الإداري

خارطة أبرشيَّة مصر حوالي سنة 400م، تظهرُ فيها المُحافظات التابعة لها وأهم المُدن.
كانت مصر ولايةً رومانيَّة تابعةً مُباشرةً لِروما مُنذُ سنة 31 ق.م، حين استولى الرومان عليها وقضوا على حُكم آخر سُلالةٍ فرعونيَّة فيها، وهي السُلالة البطلميَّة الإغريقيَّة، واتخذها الإمبراطور أغسطس قيصر مخزنًا يمُدُّ روما بِحاجتها من الغِلال. وفي سنة 381م جُعلت مصر أبرشيَّةً مُستقلَّة، وتنُصُّ وثيقة الكرامات العرضيَّة (باللاتينية: Notitia Dignitatum) أنَّ الأبرشيَّة كان يحكُمُها فيقار واتبعت ولاية الشرق الإمبراطوريَّة، وضمَّت ست مُقاطعات، هي: مُقاطعتيّ مصر (باللاتينية: Aegyptus) وأغسطُمنِكة (باللاتينية: Augustamnica) اللتان تأسستا في القرن الرَّابع الميلاديّ، ومُقاطعة أركادية (باللاتينية: Arcadia) التي تأسست سنة 397م، ومُقاطعة طيبة (باللاتينية: Thebaid)، ومُقاطعة ليبيا الدُنيا (باللاتينية: Libya Inferior)، ومُقاطعة ليبيا القُصوى أو برقة (باللاتينية: Libya Superior). ظلَّت مصر تحت الحُكم الروماني ما يزيد على أربعة قُرون. ففي سنة 395م انقسمت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة إلى قسمين شرقي وغربي. وعلى الرُغم من استمرار فكرة وحدة الإمبراطوريَّة، فقد حكم إمبراطوران معًا، واحد في الشرق وآخر في الغرب. وفي سنة 476م سقط القسم الغربي في أيدي البرابرة الجرمان في حين نجا القسم الشرقي الذي عُرف بالإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، وعاصمته القُسطنطينيَّة. وكانت شمالي أفريقيا ومن ضمنها مصر تابعة لِهذه الإمبراطوريَّة من خِلال ما كان يُعرف بِأرخونيَّة إفريقية، إلَّا أنَّها بِظُروفها السياسيَّة والدينيَّة، تُعدُّ امتدادًا طبيعيًّا للشَّام مع بعض الاختلاف في المدى الذي ترتبط فيه بالحُكم المركزي في القُسطنطينيَّة. فقد وحَّدت بينهُما الديانةُ المسيحيَّة، ولكن وفقًا لِعقيدةٍ ومذهبٍ مُخالفٍ لِعقيدة الإمبراطوريَّة الرسميَّة

الوضع الاقتصادي

قطعة نُقود من عهد الإمبراطور هادريان تحتفي بِولاية مصر كونها إحدى مصادر ثراء الإمبراطوريَّة. ضُربت هذه القطعة حوالي
سنة 135م، وقد صُوِّرت فيها مصر على هيئة امرأة مُستلقية تحملُ شخشيخة الإلهة حتحور، وقد وضعت كوعها على سلَّة غِلال،
في إشارةٍ إلى غناها.
كانت مصر إحدى أغنى ولايات الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة إن لم تكن أغناها مالًا وزرعًا وخيرات. وكانت بيزنطة تراها مصدرًا هاما للثراء كما كان الحال زمن الرومان، وقد اعتمد الروم على مصر لِتزويد الإمبراطوريَّة بالحُبوب كما فعل أسلافهم. ولم يقتصر ثِقل مصر الاقتصادي على إنتاج الحُبوب، بل تعدَّاها إلى صناعة الزُجاج والتعدين وورق البردي والكثير من المُتنجات الصناعيَّة الأُخرى، من شاكلة: النسيج والمواد الطبيَّة والعُطور وصناعة الفخار والصناعات الغذائيَّة والزيت، والنبيذ والخبز والمحاجر ومواد البناء، إلى جانب الصناعات المُتعلِّقة بالذهب والفضَّة والنُّحاس والبرونز؛ بالإضافة إلى تجارة التوابل من الهند والبُخُور من الحجاز واليمن والأحجار الكريمة من فارس والأخشاب من الشَّام والعاج من جنوب الصحراء الكُبرى بأفريقيا، عبر أساطيلها المُنتشرة عبر البحر الأحمر وفُروع النيل، وقوافلها عابرة الصحاري. وقد اعتُبرت أرض مصر خِلال الحقبتين الرومانيَّة والبيزنطيَّة صمام الأمان لغذاء العالم وسلَّة طعامه وفاكهته، إذ كانت تُصدِّر لِروما وحدها 11 مليون أردب من القمح، وكانت قادرةً على إطعام جميع ولايات العالم الرومي، لِدرجةٍ جعلت البيزنطيين يفرضون على المصريين من عهد قسطنطين الأوَّل ضرائب غذائيَّة وأشهرها ضريبة القمح والشعير والفول والكتَّان والزيتون وكانت تُجمع لِصالح الجيش الرومي. وكان النظام الضريبيّ الذي فرضه الروم في مصر نظامًا جشعًا وصارمًا شمل كُل الأنشطة الاقتصاديَّة مثل الزراعة والصناعة والتجارة، وكانوا دائمًا ما يُغيرون قوانينهم الضريبيَّة والماليَّة وطُرق جمع الضرائب حسب الظُروف من أجل إحكام قبضتهم على البلاد. وكان من ضمن هذه الضرائب ضريبة «الأنونا المدنيَّة» وكانت عبارة عن كميَّاتٍ من القمح وباقي المحاصيل تُشحن من مصر إلى القُسطنطينيَّة حسب احتياجاتها وكان يُطلق على هذه الشُحنة «الشُحنة السعيدة». وكانت الكميَّة المُرسلة من الشُحنة الغذائيَّة تصنع حوالي 80,000 رغيف خبز يوميًّا. وخلال الفترة المُمتدَّة من سنة 284م حتى 642م، كانت ضريبة الأنونا المدنية تُدفع لِكنائس الإسكندريَّة على شكل كميَّاتٍ من القمح، حتَّى جاء الإمبراطور يُوليان وألغى الضريبة. وكانت الضرائب المفروضة على الأراضي الزراعيَّة تُجبى حسب منسوب النيل، وكان للقُرى خزانة للضرائب تتصل بها إدارة للحسابات لتحديد المصروفات والجبايات يُشرف عليها موظف حُكومي رومي، يُناط به إعداد القوائم الخاصة بالضرائب، وإثبات أسماء أهل القرية، وما أدَّاه كُلٌ منهم من الضرائب. وقد كتب المُؤرِّخ اليهودي فيلون السَّكندري يصف حال المصريين في ظل النظام الضريبي الرومي، فقال أنَّ جُباة الضرائب كانوا يستولون على جُثث أولئك الذين عجزوا عن سداد الضرائب خلال حياتهم، ثُمَّ أدركهم الموت، حتَّى يُكرِهوا أقربائهم على دفع الضرائب المُتأخرة عليهم؛ استنقاذًا لجُثثهم، كما ذكر أنَّ الزوجات والأطفال وغيرهم من الأقرباء كانوا يُحشرون إلى السُجون، ويُصَبُّ عليهم التعذيب حتى يعترفون بمكان المُفلس الهارب، فكان يحدث أن يهرب الأهالي من مُدن بِرُمَّتها بحال أفلس مُعيلهم.

الوضع الديني

أيقونة قبطيَّة يظهر بها التسعة وأربعين شيخًا من شيُوخ شيهيت في دير الأنبا مقار بِوادي النطرون، الذين قُتلوا على يد البربر سنة 444م، في إشارةٍ إلى ما قاساه المسيحيّون الأوائل في مصر من اضطهاداتٍ مُتكررة.

كان أغلب المصريين قبل الفتح الإسلامي يُدينون بالمسيحيَّة، ومن

لوحة جصيَّة قبطيَّة تُصوِّر العذراء مريم وبعض الأنبياء مع الملاك ميخائيل في دير العذراء – السُريان بِوادي النطرون.

هم قلَّة ضئيلة تُدينُ باليهوديَّة. وكانت مصر في طليعة البُلدان الشرقيَّة التي تسرَّبت إليها المسيحيَّة في القرن الأوَّل الميلادي، وانتشرت تدريجيًّا في جميع أنحاء البلاد في القرن الثاني. أمَّا اليهود فوُجودهم في مصر قديم، يرجع إلى زمن النبيّ يُوسُف وفقًا للمُعتقدات الإبراهيميَّة، وقد وردت قصَّة انتقالهم إليها وخُروجهم منها في التوراة والقُرآن، ويظهر بأنَّ جُمهرةً من اليهود عادت إلى مصر آتيةً من فلسطين خِلال العهد البطلمي، فاستوطنت الإسكندريَّة وضواحيها، إذ أنَّ المصادر التاريخيَّة العائدة لِتلك الفترة تنصُّ على تمركُزهم في هذه النواحي. وكان لهُم جالياتٌ أُخرى في بعض مُدن الصعيد، وكذلك في الفيُّوم، كما كان في البهنسا جالية يهوديَّة كبيرة وكانت تُقيم في حيًّ خاصٍّ بها. وتحوَّل كثيرٌ من اليهود إلى المسيحيَّة، مع احتفاظهم بِأسمائهم القديمة. وتُشيرُ بعض أوراق البردي إلى أنَّ كثيرًا من اليهود في العصر البيزنطي كانوا يشتغلون بالتجارة. ويُلاحظ بأنَّ المصادر التاريخيَّة القديمة والحديثة قلَّما تُشيرُ إلى اليهود في مصر في ذلك العصر، ولعلَّ سبب ذلك هو ما ساد هذا العصر من خِلافاتٍ مذهبيَّة ودينيَّة وسياسيَّة، وممَّا لاشكَّ فيه أنَّ اليهود كانوا حريصين على أن يبتعدوا عن هذه الخِلافات لِيُمارسوا حياتهم الدينيَّة ونشاطهم الاقتصادي بِهُدوء. وتاريخُ المسيحيَّةِ في مصر يبدأ بِهجرة العائلة المُقدَّسة إليها هربًا من ظُلم حيرود الأوَّل ملك اليهوديَّة، وبعدها بِسنوات أقبل بعض الحواريين إلى مصر داعين الناس إلى ترك عبادة الأوثان وعبادة الله، وأقبل الحواري مرقس، فأنشأ الكنيسة المرقسيَّة في الإسكندريَّة، التي انتقلت إليها زعامة المسيحيَّة لاحقًا، وفيها كتب إنجيله. وقد تعارضت التعاليم المسيحيَّة مع المفاهيم الرومانيَّة المُتعلِّقة بِتأليه الإمبراطور وعبادته، ورفض النصارى الخدمة في الجيش الروماني، واتخذوا الأحد أوَّل أيَّام الأُسبوع لِيكون فُرصةً لِمُباشرة طُقوسهم الدينيَّة، لِذلك رأت الحُكومة الرومانيَّة أنَّ اعتناق المسيحيَّة هو جُرمٌ في حق الدولة، وعدَّت النصارى فئة هدَّامة، تُهدد أوضاع الإمبراطوريَّة وسلامتها، فمنعت اجتماعات النصارى، ونظَّمت حملات الاضطهاد ضدَّهم. بدأت هذه الحملات ضدَّ نصارى مصر أثناء حُكم الإمبراطور سپتيموس سڤيروس (193 – 211م). وظلَّ هؤلاء يتعرَّضون لاضطهادٍ كبيرٍ، وتسامُحٍ قليلٍ إلى أن تولّى دقلديانوس (284 – 305م) عرش الإمبراطوريَّة، حيثُ بلغ اضطهادُ النصارى حدَّهُ الأقصى. قاوم المسيحيّون في مصر هذا الاضطهاد بِقُوَّةٍ وعناد، وقد انبثقت عن هذه المُقاومة حركةً قوميَّة أخذت تنمو تدريجيًّا، وليس أدلَّ على ذلك من أنَّ الكنيسة القبطيَّة بدأت تقويمها، الذي سمَّتهُ «تقويم الشُهداء»، بالسنة الأولى من حُكم دقلديانوس، وذلك نتيجةً لِما خلَّف الاضطهاد من أثرٍ كبيرٍ في نُفوس المصريين. تحسَّن وضع النصارى في مصر بعد أن اعترف الإمبراطور قُسطنطين الأوَّل بالمسيحيَّة دينًا مسموحًا به ضمن الديانات الأُخرى في الإمبراطوريَّة، بِموجب مرسوم ميلانو الشهير في سنة 343م، ثُمَّ بعد أن أصبحت المسيحيَّة الدين الرسمي الوحيد للإمبراطوريَّة في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأوَّل (379 – 395م). لكنَّ مصر لم تنعم طويلًا بهذا النصر الذي أحرزتهُ المسيحيَّة، إذ ثار الجدل والنزاع مُنذُ أيَّام قُسطنطين الأوَّل بين النصارى حول طبيعة المسيح، وقد تدخَّل قُسطنطين الأوَّل في هذه النزاعات الدينيَّة البحتة وعقد مجمع نيقية سنة 325م من أجل ذلك، وناقش هذا المجمع مذهب القس آريوس السَّكندري، الذي أنكر صفة الشبه بين الأب والابن، وعدَّ أنَّ «ابن الله» ليس إلَّا مخلوقًا، فأنكر بذلك أُلوهيَّة المسيح، وتقرَّر بُطلان مذهبه والإعلان عن أنَّ الابن من جوهر الأب نفسه

واتَّخذ مُعظم الأباطرة الذين جاؤوا بعد قُسطنطين الأوَّل موقفًا عدائيًّا من مُعتقدات النصارى في مصر، ممَّا أدَّى إلى احتدام الجدال والنزاع الديني بين كنيستيّ الإسكندريَّة والقُسطنطينيَّة، وقد بلغ أقصاهُ في مُنتصف القرن الخامس الميلاديّ حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح. فاعتقدت الكنيسة القبطيَّة بأنَّ للمسيح طبيعة إلهيَّة واحدة (مونوفيزيَّة)، وتبنَّت كنيسة القُسطنطينيَّة القول بِثُنائيَّة الطبيعة المُحدَّدة في مجمع خلقدونيَّة، ورأت أنَّ في المسيح طبيعة بشريَّة وطبيعة إلهيَّة، وتبنَّت هذا المذهب لِيكون مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة، وأنكرت نحلة المونوفيزيتيين، وكفَّروا من قال بأنَّ للمسيح طبيعة واحدة، كما حرموا ديسقوروس بطريرك الإسكندريَّة حرمانًا كنسيًّا. لم يقبل ديسقوروس ولا نصارى مصر ما أقرَّهُ مجمع خلقدونيَّة وأطلقوا على أنفُسهم اسم «الأرثوذكس» أي أتباع الديانة التقليديَّة الصحيحة، وعُرفت الكنيسة المصريَّة مُنذ ذلك الوقت باسم «الكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة»، ومال المصريّون إلى الانفصال عن الإمبراطوريَّة، فأعلنوا التمرّد، وكانت أولى مظاهره إلغاء كنيسة الإسكندريَّة استخدام اللُغة اليونانيَّة في طُقوسها وشعائرها واستخدمت بدلًا منها اللُغة القبطيَّة. وسُرعان ما تطوَّرت الأُمور في الإسكندريَّة إلى قلاقل دينيَّة عنيفة اتخذت صفة الثورات الوطنيَّة، تعرَّض خلالها المصريّون لِأشد أنواع الاضطهاد ولم تقمعها السُلطات إلَّا بعد أن أراقت دماء كثيرة. وعندما استولى هرقل على الحُكم، رأى أن يُنقذ البلاد من الخِلاف الديني، وأمل المصريّون بانتهاء عهود الاضطهادات وإراقة الدماء، لكنَّ النتيجة جاءت مُخيبة للآمال مرَّة أُخرى، إذ عهد هرقل بالرئاسة الدينيَّة والسياسيَّة في مصر للمُقوقس، وطلب منه أن يحمل المصريين على اعتناق مذهبٍ جديدٍ مُوحَّد يُوفِّق بين المذهبين الخلقدوني والمونوفيزي، هو المذهب المونوثيلستي، غير أنَّ كنيسة مصر رفضت هذا المذهب رفضًا قاطعًا، فاضطرَّ المُقوقس للضغط على المصريين وخيَّرهم بين أمرين: إمَّا الدُخول في مذهب هرقل الجديد وإمَّا الاضطهاد. وقبل أن يصل الحاكم الجديد إلى الإسكندريَّة في سنة 631م هرب البطريرك القبطي بنيامين الأوَّل، توقُعًا لِما سيحلُّ به وبطائفته. كان هذا القرار نذيرًا أزعج المصريين وأفزع رجالُ الدين منهم، وبخاصَّةٍ أنَّهُ كان لِهذا البطريرك مكانة مُحببة بين الأهالي. ولجأ المُقوقس إلى البطش والتعذيب، وقاسى المصريّون جميع أنواع الشدائد فيما سُمي «بالاضطهاد الأعظم» الذي استمرَّ عشرُ سنوات، ممَّا كان لهُ أثرٌ في سُهولة فتح المُسلمين لِمصر حيثُ وقف السُكَّان، بشكلٍ عام، على الحياد في الصراع الإسلامي – الرومي على مصر

دير الأنبا مقار، أحد أقدم الأديرة المسيحيَّة في مصر.

الوضع العسكري

مخطوطة قديمة تُظهرُ حِصارًا بيزنطيًّا لِإحدى الحُصون.

مخطوطة قديمة لِبعض خيَّالة الروم.

ترك الروم في مصر حاميةً عسكريَّةً كبيرة لِحمايتها ودفع الأخطار عنها بوصفها إحدى أهم الولايات وأثراها، ولِأنَّ انسلاخها عن الإمبراطوريَّة من شأنه أن يؤثِّر سلبًا عليها. وتشكلت الحامية العسكريَّة الروميَّة في مصر من ثلاث فرق مُوزَّعة على الأقاليم الثلاثة: واحدة في الإسكندريَّة، والاثنتان الأخريتان في سائر القطر المصري؛ إلى جانب تسع سرايا: ثلاث في الإسكندريَّة، وثلاث على الحُدود الحبشيَّة في أسوان جنوب مصر، وثلاث في سائر أنحاء القطر المصري. فضلًا عن ثلاث وحدات من الفُرسان مُعيَّنة في مناطق الخطر.وانقسمت القُوَّات العسكريَّة في مصر إلى عدَّة فرق هي: فرقة الأتباع، ويجري تجنيد أفرادها عن طريق الإلزام أو التطوُّع أو الوراثة لأبناء الجُنود المُسرَّحين؛ جيشُ الحُدود أو الأطراف؛ وهي الفرقة التي تُرابط على الحُدود الغربيَّة والجنوبيَّة، وتقوم بِحراسة الحُدود وتُرابط في القلاع؛ وفرق جيش المُعاهدين وتتألف من الجرمان والمُغامرين الوافدين من خارج حُدود الإمبراطوريَّة، ويتولَّى قيادتهم قادة مُعينون من قبل الإمبراطور نفسه.وزيد على هذه الفئة الجُند المأجورين الذين استخدمهم بعض كبار المُلَّاك للحراسة الخاصَّة. وقد اشترطت الحُكومة البيزنطيَّة أن يتفرَّغ الجُنود المُرابطين في مصر للقتال فقط دون غيره، وحرَّمت عليهم القيام بالأعمال التجاريَّة. ولم يكن في بداية الأمر يُسمح للمصريين بالانخراط في الخدمة العسكريَّة، ولكن عُدل عن هذه السياسة وسُمح لهم بدُخول الجيش إمَّا بالتطوع أو الاقتراع أو الوراثة. تراوح عدد عناصر كُل وحدة من وحدات الجيش البيزنطي في مصر بين 300 إلى 500 جُندي، بينما تراوح عدد الجيش بالكامل بين 25 إلى 30 ألف جُندي، يرأس قيادة كُل وحدةٍ منها قائد يُسمَّى «التريپون» (عُرِّب إلى «أرطبون»)، بينما الدوق هو القائد الأعلى للكتائب المُرابطة في إقليمه، وبذلك خضعت الجُيوش في مصر لِقيادة خمسة أدواق. وعلى الرُغم من ضخامة الحامية العسكريَّة في مصر إلَّا أنَّها عانت من عُيوبٍ مُتعدِّدة، فقد كان هذا الجيش مُجرَّد أداة لِقمع الشعب ومُساعدة الشُرطة في تحصيل الضرائب وإخماد الثورات ضدَّ الحُكم الرومي، كما أنَّ جُنوده لم يكونوا على تدريبٍ جيِّد بسبب مُرابطتهم في مصر على الدوام وعدم خوضهم الحُروب، ونتيجةً لِما كان يتمتع به المُجنَّد من امتيازاتٍ في مُقدِّمتها الإعفاء من الضرائب، فقد أصبح الالتحاق بالجُنديَّة وسيلةً للهُروب من وطأتها على المُواطنين، فتطوَّع الكثير من الفلَّاحين وأصحاب المهن ممَّا جعل الجيش يتكوَّن من عناصر رديئة ليس لها علاقة بالجُنديَّة. أضف إلى ذلك فإنَّ القيادة العسكريَّة لم تكن مُوحدة، الأمر الذي جعل كُل دوق يُواجه ما تتعرض له دوقيَّته من أخطار مُنفردًا، وغالبًا ما تقاتل هؤلاء مع بعضهم البعض تحقيقًا لِمصالحهم الشخصيَّة، كما أنَّ روح الولاء لِبيزنطة كانت مُنعدمة تقريبًا عند المصريين، كما أدَّى تغلغل النزاعات الطائفيَّة بين صُفوف الجيش إلى عدم ترابطه وتناغمه.

- Advertisement -

- Advertisement -

اترك رد